التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العولمة - ظاهرة قديمة في ثوب جديد

العولمة مفهوم قديم بلباس جديد

العولمة دعوة رفعت لواءها الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن العشرين وبالتحديد عقب سقوط الاتحاد السوفياتي.
وعززتها بقوتها الطاغية بعد حربها العدوانية الأولى على العراق سنة 1991، تحت ذريعة "تحرير الكويت".
والعولمة كمظهر لنفوذ مجموعة من القيم وهيمنتها على مدى عالمي أو شبه عالمي، سواء جاء هذا النفوذ نتيجة نزعة تَسَلُّطية، أو جاء نتيجة إشعاع حضاري، ظاهرة قديمة.
فقد كان العالم قديما قبل مجيء الإسلام مقسما إلى معسكرين واقعين تحت نفوذ دولتين عظميين، أي الإمبراطورية الفارسية في الشرق والإمبراطورية الرومانية في الغرب، كل منهما تحاول أن تفرض سلامها الخاص في العالم.
وكان من نتيجة هذه النزعة التسلطية لدى الإمبراطوريتين، وقوع الكثير من الشعوب ضحيةً للقهر والاستيداد.
ثم جاء الإسلام، فخاض حرب تحرير عالمي ضد الدولتين فقضى على الإمبراطورية الفارسية وقلص من إقليم الإمبراطورية الرومانية، وتحررت بذلك الشعوب التي كانت خاضعة لقهرهما، وفرض الإسلامُ سلامَه السمحَ على العالم. ودام إشعاعه الحضاري لأكثر من ثمانية قرون، وبعد أفول نجم الحضارة الإسلامية عادت النزعة التسلطية إلى العالم من جديد لتفرض قيمها الإستدمارية وذلك بزعامة إمبراطوريتين أوروبيتين هما الفرنسية والبريطانية. وانقسم العالم بسيطرتهما إلى عالم مستعمِر (بكسر الراء) وعالم مستعمَر (بفتح الراء).
وبعد حركة التحرر العالمية تقلص نفوذهما وذلك بعد حربين عالميتين، وحلت محلهما قوتان عظميان جديدتان هما دولة الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإتحاد السوفيتي.
وانقسم العالم في ظل هيمنتهما إلى معسكرين: غربي يأخذ بقيم الرأسمالية أو الليبرالية، وشرقي يأخذ بقيم الاشتراكية.
وأسفر الصراع بين القوّتين العُظْمَيَيْن عن انتصار الإمبراطورية الأمريكية وسقوط الإتحاد السوفيتي، واستَفْرَدَتْ الولايات المتحدة بساحة الهيمنة العالمية.
لكنها لم تكتفِ بتحقيق نصرها هذا، إنما سعت، إلى جانب ذلك بكل ما ملكت من قوة، إلى إضفاء الشرعية والمصداقية على زعامتها للعالم وذلك بدعوتها إلى ما تسميه النظام العالمي الجديد والتي اقترنت بفترة ولاية "جورج بوش الأب". وهي بهذه الدعوة إنما تريد الترويج لقيمها الخاصة على أنها قيم عالمية.
وإذن فلا جديد فيما تدعو إليه أمريكا ومن تأثر بها في هذه العولمة إلاّ أنها محاولة لتحديد مفهوم خاص لهذه الظاهرة يعكس القيم الغربية عامة والأمريكية خاصة، والسعي لفرضه على أنه النموذج العالمي الذي يجب أن تأخذ به جميع دول العالم وشعوبه.

شعاراتها
ما هي الأهداف التي تعلن عنها هذه الدعوة؟
من أبرز الشعارات التي ترفعها كأهداف:
• في مجال الإقتصاد: السعي لنشر نظام اقتصاد السوق. وما هو في الحقيقة إلا تسمية جديدة لنظام قديم هو النظام الرأسمالي.
• في مجال السياسة: نشر قيم الديمقراطية لكن حسب النموذج الأمريكي. بمعنى أن الديمقراطية التي تفرز الحكومات التي لا تؤمن بالقيم الأمريكية، وترفض الخضوع لِإِملاءاتها، لا تعتبرها أمريكا حكومات ديمقراطية وتحاربها بكل وسيلة. وكمثال على هذا موقفها من حكومة "حماس" في فلسطين وموقفها من الحكومة الإيرانية.
ومن القيم المزعومة في هذا المجال:
- المساواة التامة بين الرجل والمرأة. وهي لا تريد للمرأة هذه المساواة حقيقة، إنما تريد من وراء هذا الشعار أن لا توضع ضوابط على حرية المرأة. وهذا ضرب من الميوعة الأخلاقية وأكبر شاهد على ذلك التوصيات التي تخرج بها المؤتمرات العالمية للمرأة التي تُعقد دوريا تحت وصاية الأمم المتحدة والتي تدعو إلى عدم التقيد بأي نظام ديني أو أخلاقي.
- التسامح الديني. ويُراد منه أن لا يتشدد المؤمن في التمسك بدينه، وأن لا يعترض على الحركات الإلحادية في محاربتها للأديان. وبعبارة أخرى أن يُعْتَرَفَ للملحد بالحق في محاربة الدين ويُحَرَّمَ على المؤمن مقاومته للإلحاد.
- السلام. ويراد منه محاربة أي نزعة رافضة للهيمنة الاستعمارية وإلا اعتُبِر صاحبها إرهابيا. ومن شواهد ذلك وصف الحركات الرافضة للاحتلال الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي بالحركات الإرهابية مثل حركة "حماس" الفلسطينية و"حزب الله" اللبناني.

وسائلها
من الوسائل التي تعتمد عليها أمريكا وحلفاؤها للترويج لثقافتها هذه:
- منظمات سياسية دولية على رأسها مجلس الأمن الدولي التابع إسميا للأمم المتحدة والذي تسيطر عليه أمريكا وبالتالي فهو تابع من الناحية الفعلية إلى أمريكا. فهي الدولة الوحيدة التي مارست حق النقض (الفيتو) عشرات المرات خاصة في نصرتها لدولة إسرائيل في صراعها مع العرب عامة وقهرها للشعب الفلسطيني خاصة.
- منظمات اقتصادية وتجارية مثل المنظمة العالمية للتجارة.
- منظمات مالية مثل البنك العالمي.
- منظمات غير حكومية تتحرك تحت النفوذ الأمريكي أو النفوذ الغربي مثل منظمات حقوق الإنسان. لكن وفق التصور الغربي للإنسان.
- مؤتمرات عالمية تُنظَّم تحت رعاية الأمم المتحدة مثل مؤتمر السكان الذي دأب على الدعوة إلى الإباحية من خلال التوصيات التي يتوِّج بها أشغاله.
ومن أعظم الوسائل المساعدة على ترويج هذه الثقافة وسائل الإعلام والاتصال التي بلغت حدا من التنوع والتطور مكن لأي إنسان أن يطلع على ما يجري في العالم دون خضوعه لأية رقابة مثل القنوات الفضائية – الإنترنت – الهاتف النقال...

مخاطر العولمة
تنطوي الدعوة إلى هذه العولمة على مخاطر جمة على الشعوب والدول غير الغربية.
• فهي تحارب الخصوصية الثقافية لأنها تدعو إلى رفض الثقافات القومية الخاصة واعتناق الثقافة الغربية عامة والأمريكية خاصة.
• وهي تهدد سيادة الدول المستضعفة لأنها تدعو إلى ما تسميه المجتمع الدولي والشرعية الدولية، غير أن هذا المجتمع الدولي مجرد غطاء للتدخل في شؤون الدول التي ترفض الهيمنة الأمريكية أو التي تمتد إليها أطماع أمريكا ومن هنا جاءت تدخلاتها باسم الشرعية الدولية في هذه المناطق مثل "أفغانستان" و"العراق" و"الصومال" بشكل مباشر و"فلسطين" و"لبنان" بشكل غير مباشر.
• وهي تريد ابتلاع اقتصاديات الدول الضعيفة وذلك بالدعوة إلى فتح أسواقها لمنتجاتها الاستهلاكية دون حواجز جمركية باسم التجارة الحرة.

هل يمكن تجنب مخاطر العولمة؟
رغم أن رافعة لواء الدعوة إلى العولمة قوة عظمى طاغية إلا أنه يمكن تجنب مخاطرها وذلك من خلال أمرين:
• المقاومة.
• الحوار القائم على الروح النقدية.
فإذا كانت النخب التي تتولى مقاومة هذه المخاطر، ومحاورة الداعين إلى العولمة بهذا المفهوم، في مستوى هذا التحدي، فإن الآثار التي تترتب عن ذلك ستكون عكس ما كانت تتوقعه أمريكا. لأن جو الحوار يساعد على حصحصة الحق.
إن هذه الدعوة في حقيقتها صورة جديدة من صور المواجهة بين القيم الغربية والقيم الإسلامية. وفي جو الحوار البناء والهادئ لا يمكن أن تُهزم قيم الإسلام العالمية.

تعليقات